روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

28

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )

ولاية التجلي والمشاهدة والمكاشفة والخطاب والإلهام . وعجائب القلب مثل الأخلاق والأسرار ومكنونات العلوم والحكم . والروح مشغول بالحقيقة والعقل مشغول بالشريعة . وهما لا يفارق أحدهما الآخر في الدنيا والآخرة لأنّ الروح طالب المشاهدة والعقل طالب الجنّة ، وينال العقل النعيم المقيم بالمعاملة وينال الروح مشاهدة اللّه - تبارك وتعالى - بالمراقبة والبيان فيما وعد اللّه لهما أبد الأبد ، وكما قال علي بن سهل : « العقل مع الروح يدعوان إلى الآخرة ومخالفة الهوى والشهوات فلذلك سمّيا روحين » . * وقال بعض العلماء : « إنّ الروح يذوق الموت كما يذوق الجسد » ، واحتجوا بقوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] . وقد أخطأوا فيما توهمّوا لأنّ الروح أمر ربّاني قدسيّ جناني ملكوتي خلق من حياة أبديّة سرمديّة ، رباه اللّه في ظلّ جلاله وضوء بهائه وعكس صفاته ، لا يدخل تحت سكرات الموت ولا يجد الموت إليه سبيلا ، كما قال اللّه تعالى : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ [ آل عمران : 169 - 170 ] مع أن أرواح العارفين أظهر وأشرف عند اللّه تعالى من أرواح الشهداء لأنّ « نفسا واحدا من العارفين خير من ألف شهيد » ، وما ذكره اللّه تعالى [ من ] أنّ النفس تذوق الموت فهي النفس الحيوانيّة البشريّة المركبة من الطبايع الأربعة ، فإذا أراد اللّه تعالى خروج الروح فإنّه يناديه ويقول : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) [ الفجر : 27 - 28 ] ، ومن خصّ بالرجوع إلى حضرة القديميّة الباقية فكيف يموت ؟ وبعد خروج الروح منها تضطرب الطبائع وتنهدم الأجسام . فذلك قوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] يعني التي خلق من تراب ثمّ من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغة ، والأرواح الروحانيّ السماويّ قد صحّ في تفسير قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزمر : 68 ] إنّ الاستثناء يقع على الجنّة وما فيها والنار والعرش والكرسيّ والملائكة والأرواح ، وإذا كان ما دون الأرواح لا يفنى . فالأرواح أولى بالبقاء لأنّ اللّه تعالى خلق الأرواح من النور الساطع ، ولولا إنّه سترها بخليقة الإنسان لغاب الكون في نوره كما يغيب النجوم في ضوء الشمس . ولله عباد خصّهم بالشوق والمحبّة والمشاهدة ويتجلى لهم في كلّ يوم ألف ألف مرّة تكاد أرواحهم في كلّ مرّة تذوب من سبحات وجهه واشتياق وصاله ، وكما ينظر إلى قلوبهم يحرق أبدانهم من حدّة النظر إليهم . فإذا كان كذلك صارت صافية